همس الحنين
بنت الجنوب
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ في تَقَلُّبِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ عِبرَةً وَأَيَّ عِبرَةٍ !!
نَهَارٌ يَكُرُّ وَلَيلٌ يَمُرُّ ، وَأَيَّامٌ تُطوَى وَأَعمَارٌ تَفنى ، وَشَبَابٌ يَنقَضِى وَحَيَاةٌ تَنتَهِي ، وَقُوَّةٌ تَزُولُ وَصِحَّةٌ تَحُولُ ، أَحبَابٌ يَمضُونَ وَأَقَارِبُ يَدرُجُونَ ، وَغَنِيٌّ يَفتَقِرُ وَصَحِيحٌ يَسقَمُ ، وَعَزِيزٌ يَذِلُّ وَرَفِيعٌ يَنحَطُّ ، وَدُوَلٌ تَسقُطُ وَرُؤُوسٌ تَخضَعُ ،
إِنَّهَا لأَحوَالٌ مُتَغَيِّرَةٌ وَأَوضَاعٌ مُتَغَايَرَةٌ ، تَدعُو لِلعِبرَةِ وَتَبعَثُ في النُّفُوسِ العِظَةُ ، أَلا فَمَا بَالُ الأَوقَاتِ تَضِيعُ في السَّعيِ وَرَاءَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ ؟
وَلِمَ تَزدَادُ الأَعمَارُ وَتَنقُصُ الآجَالُ وَنَحنُ مُقِيمُونَ عَلَى الغَفَلاتِ ؟
وَعَلامَ يَشتَدُّ تَنَافُسُنَا فِيمَا يَفنى وَلا يَبقَى ؟
وَلِمَ لا نَنهَى النُّفُوسَ عَنِ الهَوَى لِنَرِثَ جَنَّةَ المَأوَى ؟
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ تَوَفُّرَ الفَرَاغِ مَعَ صِحَّةِ الجِسمِ ، وَوَفرَةَ الغِنى مَعَ نَضَارَةِ الشَّبَابِ ، إِنَّها لَنِعَمٌ عَظِيمَةٌ وَعَطَايَا جَسِيمَةٌ ، وَلَكِنَّهَا عَوَارٍ مَردُودَةٌ وَفُرصٌ مَحدُودَةٌ ، إِنْ لم تُستَغَلَّ في طَاعَةٍ وَتُستَثمَرَ في قُربَةٍ ، ذَهَبَت في مَعصِيَةٍ وَانقَضَت في نُقصَانٍ
فَقَد نَبَّهَ ـ الرسول عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا وَحَثَّ عَلَى اغتِنَامِها ، وَحَذَّرَ مِنَ الغَبنِ فِيهَا وَخَسَارَتِهَا ، فَقَالَ : «اِغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ : شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ ، وَحَياتَكَ قَبلَ مَوتِكَ» رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ ، وَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ : «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتى يُسأَلَ عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفنَاهُ ، وَعَن عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ ، وَعَن جِسمِهِ فِيمَ أَبلاهُ» وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»رَوَاهُ البُخَارِيُّ
فَيَا مَن أَضَاعَ الصَّلَوَاتِ وَاتَّبَعَ الشَّهَوَاتِ ، وَشَغَلَ عَينَهُ بِتَتَبُّعِ العَورَاتِ ، وَأَمَاتَ قَلبَهُ تَنَاوُلُ الخَبَائِثِ وَالمُحَرّمَاتِ ، يَا مَن غَفَلَ عَن حَقِّ رَبِّهِ وَأَكَلَ حُقُوقَ النَّاسِ وَرَتَعَ في المَظَالِمِ مَتى العَودَةُ إِلى رَبِّكُم ؟
مَتى التَّوبَةُ مِن ذُنُوبِكُم ؟
إِلى مَتى الغَفلَةُ وَالتَّسوِيفُ ؟
إِلى مَتى الإِهمَالُ وَالتَّفرِيطُ ؟
قالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِن ثَلاثٍ : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ، أَو عِلمٌ يُنتَفَعُ بِهِ ، أَو وَلَدٌ صَالحٌ يَدعُو لَهُ» رَوَاهُ مَسلِمٌ وَغَيرُهُ .
وفقني الله وإياكم لتقواه في السر والعلانية وجعلنا ممن يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله ولا يخشون أحد سواه اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار يا رب العالمين ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم

